ابن عجيبة
287
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
علمه أو ملكه ، مأخوذ من كرسي العلم والملك ، وقيل : جسم بين يدي العرش محيط بالسماوات السبع لقوله - عليه الصلاة والسلام - : « ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كحلقة في فلاة ، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة » ولعله الفلك المشهور بفلك البروج . ه . قلت : وقد اعترض السيوطي في حاشيته عليه « 1 » . فاللّه تعالى أعلم . وَلا يَؤُدُهُ أي : لا يثقله ولا يشقّ عليه حِفْظُهُما أي : حفظ السماوات والأرض . وإنما لم يتعرض لذكر ما فيهما لأن حفظهما مستتبع لحفظه ، وَهُوَ الْعَلِيُّ أي : المتعالي عن الأشباه والأنداد ، الْعَظِيمُ أي : عظيم الشأن ، جليل القدر ، الذي يستحقر كلّ شئ دون عظمته . وهذه الآية مشتملة على أمهات المسائل الإلهية ، فإنها دالة على أنه تعالى موجود واحد في الألوهية ، متصف بالحياة الذاتية ، واجب الوجود لذاته ، موجد لغيره ؛ إذ القيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره ، منزه عن التحيز والحلول ، مبرّأ عن التغير والفتور ، لا يناسب الأشباح ، ولا يعتريه ما يعترى الأرواح ، مالك الملك والملكوت ، مبدع الأصول والفروع ، ذو البطش الشديد ، الذي لا يشفع عنده إلا من أذن له . عالم بالأشياء كلها : جليّها وخفيّها ، كلّيّها وجزئيّها . واسع الملك والقدرة لكل ما يصح أن يملك ويقدر عليه ، لا يشقّ عليه شاق ، ولا يشغله شأن عن شأن ، متعال عن تناول الأوهام ، عظيم لا تحيط به الأفهام ، ولذلك تفردت عن أخواتها بفضائل رائعة وخواص فائقة ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : « أعظم آية في القرآن آية الكرسىّ » . وقال عليه الصلاة والسلام : « من قرأ آية الكرسىّ دبر كلّ صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنّة إلا الموت - وفي رواية - كان الذي يتولىّ قبض روحه ذو الجلال والإكرام - ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد ، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمن على نفسه وجاره وجار جاره ، والأبيات حوله » . وقال عليه الصلاة والسلام : « ما قرئت هذه الآية في بيت إلا هجرته الشياطين ثلاثين يوما ، ولا يدخله ساحر ولا ساحرة أربعين يوما ، يا علىّ ؛ علّمها ولدك وأهلك وجيرانك ، فما نزلت آية أعظم منها » . قاله البيضاوي وأبو السعود ، وتكلم السيوطي في بعض هذه الأحاديث . والفضائل يعمل فيها بالضعيف . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : يا أيها الذين آمنوا إيمان أهل الخصوصية - ( أنفقوا مما رزقناكم ) من سعة العلوم ومخازن الفهوم ، من قبل أن يأتي يوم اللقاء ، يوم تسقط فيه المعاملات وتغيب تلك الإشارات ، لا ينفع فيه إلا الدخول من باب الكرم ،
--> ( 1 ) في حاشيته على البيضاوي ، والمسماة نواهد الأبكار وشوارد الأفكار .